اكبر عملية طرح اسهم للبيع في العالم

https://thenextpro.net/post/اكبر-عملية-طرح-اسهم-للبيع-في-العالم

منذ أوائل عام 2016 لم تغادر أخبار شركة "أرامكو السعودية" عناوين الصحف الدولية الكبرى، وذلك على خلفية ترقب المستثمرين حول العالم للتطورات المتعلقة بالاكتتاب العام الأولي المنتظر أن يكون الأكبر في التاريخ.

ويأتي هذا الاكتتاب العام ضمن خطة طموحة تهدف إلى تحويل أرامكو إلى شركة دولية متكاملة للطاقة تمهد الطريق أمام تقليل اعتماد السعودية على النفط وذلك من خلال تطوير مصادر غير نفطية للدخل.

ومن المرجح أن يصبح اكتتاب "أرامكو" علامة فارقة في تاريخ سوق الأسهم السعودي الذي شهد خلال السنوات الخمس الأخيرة إصلاحات جذرية ساهمت في انفتاح السوق أمام المستثمرين الدوليين الذين قاموا خلال الفترة ما بين عامي 2015 و2019 بضخ أكثر من 20 مليار دولار على خلفية إدراج تداول بعدد من المؤشرات العالمية للأسواق الناشئة.

الطريق الذي خرجت إليه أرامكو مشت فيه قبلها الكثير من شركات النفط الحكومية حول العالم وتحديداً في بلدان مثل النرويج وروسيا والصين والبرازيل وكازاخستان. ويلقي هذا التقرير نظرة سريعة على ظروف وسياقات الاكتتابات العامة الأولية التي نفذها عدد من هذه الشركات وذلك من أجل فهم أفضل للأسباب والدوافع الكامنة وراء طرح أرامكو.

شركات النفط الوطنية.. حجر الزاوية

خلال العقود القليلة الماضية تجاوزت شركات النفط الوطنية بثبات نظيراتها الدولية من حيث الحجم والنطاق.

واليوم يتجاوز إنتاج كبرى شركات النفط الوطنية إنتاج أكبر شركات النفط الدولية والتي تسيطر حالياً على أقل من 10% من موارد النفط العالمية بعد أن كانت تتسيد وحدها المشهد في القرنين التاسع عشر والعشرين.

على سبيل المثال تنتج "أرامكو السعودية" وحدها ما يعادل أكثر من 60% مما تنتجه أكبر 5 شركات نفط خاصة في العالم مجتمعة. بينما تنتج شركات النفط الوطنية جميعاً نحو 55% من الإنتاج العالمي من النفط والغاز، من خلال ضخ ما يقدر بنحو 85 مليون برميل من النفط المكافئ يومياً.

علاوة ذلك، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الشركات الوطنية تسيطر على ما يقرب من 90% من احتياطيات العالم من النفط والغاز. وعلى صعيد آخر توضح بيانات معهد حكومة الموارد الطبيعية أن شركات النفط الوطنية حققت خلال عام 2017 إيرادات إجمالية قدرها 1.9 تريليون دولار في ظل سيطرتها على أصول إجمالية تقدر بنحو 3.1 تريليون دولار.



كل شركات النفط الوطنية تقريباً تم تأسيسها خلال القرن العشرين، وأغلب هذه الشركات أنشئ بغرض استعادة الحكومات للسيادة الوطنية على موارد بلدانها من النفط والغاز وتوجيه عوائد تلك الموارد نحو رفاهية المواطنين وهروباً من استغلال الكثير من القوى الاستعمارية في ذلك الوقت.

لكن التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية من آن لآخر والتي كان آخرها أزمة 2014 دفعت الكثير من البلدان المصدرة للنفط إلى محاولة تنويع اقتصادها بعيداً عن الخام. ولتوفير التمويل اللازم لتحقيق تلك الغاية لجأ العديد من الحكومات خلال العقود الأخيرة إلى طرح شركاتها النفطية الوطنية للاكتتاب العام.

الاكتتابات العامة.. الشركات الوطنية في البورصة



على الرغم من أنه من الممكن لشركات النفط الوطنية أن تقترض الأموال من أسواق المال الدولية لتمويل خططها التوسعية وعملياتها الاستكشافية إلا أن أغلبية الحكومات لا تفضل هذا المسلك. لكن هناك شركات وطنية فعلتها، مثل "بيمكس" المكسيكية" التي أصدرت سندات بضمان أصولها قبل أن توجه الأموال التي حصلت عليها إلى خزانة الدولة لتمويل الإنفاق الحكومي بدلاً من استثمارها.



في السنوات الأخيرة بدأ الكثير من الحكومات النظر إلى شركات النفط الوطنية باعتبارها أداة قادرة على توفير رأس المال الدولي الذي تحتاج إليه تلك الحكومات لأغراض مختلفة. ولكن بدلاً من الاقتراض كان باستطاعتها جمع المال بتكلفة أقل من خلال الاستفادة من القيمة الجوهرية لأصول شركات النفط الوطنية.

على عكس المكسيك، فضلت دول مثل النرويج وروسيا والصين والبرازيل والهند توفير ما تحتاج إليه من رأس المال عبر طرح شركاتها النفطية الوطنية كلياً أو جزئياً للاكتتاب العام في الأسواق المحلية والدولية. وكانت هذه الاستراتيجية جذابة جداً للعديد من البلدان الناشئة لأنها خفضت من تكاليف الحصول على رأس المال وفي نفس الوقت جعلت شركاتها الوطنية أكثر بروزاً على الساحة الدولية.

لكن تجدر الإشارة إلى أن معظم الاكتتابات العامة التي أجرتها شركات النفط الوطنية حول العالم لم يكن الهدف من ورائها هو جمع المال لتوسعة نطاق أعمالها بل كانت مجرد وسيلة حكومية لتوفير موارد مالية إضافية للميزانية. وربما واحد من أبرز استثناءات ذلك النهج هو شركة "ستات أويل" النرويجية التي استخدمت الأموال التي حصلت عليها من أسواق المال في توسيع أعمالها الدولية.



في المقابل نجد أن شركة وطنية أخرى مثل "روسنفت" الروسية كانت لها أهداف مغايرة من وراء طرح أسهمها للاكتتاب العام. ففي العام 2006 تمكنت الشركة من جمع حوالي 10 مليارات دولار من خلال طرح أسهمها للاكتتاب العام في بورصتي موسكو ولندن، غير أن الهدف الرئيسي وراء جمع هذه الأموال كان سداد مبلغ قدره 7.5 مليار دولار كانت الشركة قد اقترضته من 4 بنوك غربية لتمويل استحواذها على حصة في "غازبروم".

ورغم أن ذلك الواقع يشير إلى أنه إذا تمت إدارة الاكتتابات العامة لشركات النفط الحكومية بشكل جيد فيمكن لهذه الخطوة أن توفر لهذه الشركات -ومن ورائها اقتصاداتها الوطنية- فرصاً للتطور والتوسع، كما ستساعدها على رفع مستوى الحوكمة لديها، لأنه باعتبارها شركات مدرجة في البورصة ستحرص على أن تثبت للمستثمرين المحتملين أن آفاقها التجارية جيدة وأن عملية صنع القرار فيها سليمة وأن بياناتها المالية شفافة ودقيقة.



فمن بين الشركات الحكومية الـ45 المدرجة ضمن مؤشر حوكمة الموارد، حصلت الشركات السبع المخصخصة جزئيًا -أي التي لها أسهم مدرجة في البورصة- على ما متوسطه 80 درجة فيما يتعلق بالمحاسبة والمساءلة، في حين حصلت الشركات المملوكة للدولة بالكامل على ما متوسطه 46 درجة.



في حالات كثيرة كان للإدارج العام لشركات النفط الوطنية أثر إيجابي على مستقبل الشركة، كما يوضح المثالان التاليان:




الاكتتاب الأكبر في التاريخ (حتى الآن)



في عام 1997 قامت البرازيل بخصخصة جزئية لشركة النفط الوطنية "بتروبراس" من خلال بيع أسهمها في الأسواق الدولية وتحديداً في بورصة نيويورك. واستغلت الحكومة البرازيلية عوائد الاكتتاب في الاستثمار في أنشطة الحفر والتنقيب البحري عن النفط والغاز.



في الوقت نفسه أنشأت الدولة هيئة تنظيمية وهي "وكالة النفط الوطنية" لتتولى العديد من المسؤوليات والمهام غير التجارية التي كانت تضطلع بها في السابق "بتروبراس". وساهمت هذه الخطوات في دعم جهود الحكومة لزيادة إيرادات الشركة وذلك من خلال ثلاث طرق:



أولاً: قبل كل شيء حصلت الشركة من المستثمرين الدوليين على المال نقداً نظير ما حصلوا عليه من أسهم.



ثانياً: تحت وطأة القواعد التنظيمية الصارمة المتبعة في بورصة نيويورك أصبحت إدارة "بتروبراس" أكثر كفاءة وانضباطاً من السابق وهو ما ساهم في طمأنة المستثمرين حين أقدمت الشركة على زيادة رأس مالها مرة أخرى.







ثالثًا: ساهم إدراج الشركة بالبورصة في تقليل تكاليف دعم الوقود التي كانت تثقل كاهل الحكومة وتزيد من حجم الدين العام. فباعتبارها شركة مخصخصة جزئياً لديها التزامات تجاه مساهميها كان على "بتروبراس" الاهتمام بالربح أكثر من أي شيء آخر، وهو ما أوضحته الحكومة البرازيلية أمام الرأي العام فيما يخص تقليل دعم الوقود.



في غضون سنوات من الاكتتاب العام الأولي ارتفعت مستويات إنتاج "بتروبراس" وزادت إيراداتها واحتياطياتها المؤكدة بشكل كبير، كما عززت الشركة مهاراتها وسمعتها كشركة رائدة عالمياً في مجال البحث والتنقيب بالمياه العميقة.



مستفيدة من ذلك النجاح، عادت "بتروبراس" إلى سوق الأسهم مرة أخرى في سبتمبر 2010 لطرح جزء جديد من أسهمها للاكتتاب العام، وذلك بغرض تمويل خطتها الطموحة الهادفة لتطوير ما تسمى بحقول الملح الواقعة قبالة السواحل البرازيلية المطلة على المحيط الأطلنطي.



وتمكنت الشركة البرازيلية بسهولة من بيع 2.4 مليار سهم عادي مقابل 29.65 ريال برازيلي للسهم، لتجمع الشركة في النهاية من المستثمرين المحليين والدوليين ما مجموعه 120.36 مليار ريال برازيلي أو 69.97 مليار دولار. وحتى اللحظة يعد ذلك الاكتتاب هو أكبر اكتتاب عام أولي في التاريخ.



ستات أويل.. إلى أين وصل سعر السهم؟



في عام 2001 قامت الحكومة النرويجية بخصخصة جزئية لشركة النفط الوطنية "ستات أويل" من خلال طرح أسهمها للاكتتاب العام في بورصتي أوسلو ونيويورك مع الاحتفاظ بنسبة 67% من الأسهم لنفسها. بالتوازي، أنشأت الحكومة شركة جديدة سمتها "بيتورو" مهمتها إدارة الحصص المالية التي تمتلكها الحكومة في مختلف شركات النفط والغاز بالبلاد بما في ذلك "ستات أويل".



كان الدافع الرئيسي وراء الخصخصة الجزئية لـ"ستات أويل" هو الرغبة في توليد رأس المال اللازم لتمويل خطة تحول الشركة النرويجية إلى شركة طاقة عالمية، وهو ما نجح فيه النرويجيون بجدارة خلال السنوات التالية للاكتتاب العام.



في السنوات التالية للخصخصة الجزئية أعيد تنظيم الشركة من أجل تعزيز ربحيتها وذلك من خلال دمج وترشيد حيازاتها النرويجية وتوسيع استثماراتها الدولية. كما وسعت الشركة من نطاق أعمالها في مجال الغاز الطبيعي وحرصت على تعزيز مزاياها المالية والتشغيلية في كافة القطاعات.







منذ العام 2001 شهدت معدلات الاستثمار والدخل في "ستات أويل" زيادة ملحوظة، في حين ارتفعت قيمة أسهمها بأكثر من الضعف في بورصة أوسلو وبأكثر من 4 أضعاف في بورصة نيويورك.



ولا ترتبط الزيادة التي شهدتها قيمة أسهم "ستات أويل" بالزيادة التي شهدتها أسعار النفط منذ ذلك الحين بقدر ما تربط بالكفاءة الإدارية للشركة النرويجية، وذلك وفقاً لتحليل أجراه كل من "ريتشارد جوردون" و"توماس ستينفول" من معهد بيكر التابع لجامعة رايس الأمريكية.



أخيراً، هناك نبوءة عمرها 20 عاماً يبدو أنها في طريقها للتحقق. ففي عام 1999 توقع أستاذ السياسة العامة بكلية فرانكفورت للإدارة المالية وكبير الاقتصاديين السابق بشركة رويال داتش شل "مايكل كلاين" أن تتم خصخصة كل شركات النفط الوطنية بحلول عام 2040. لا زال هناك 20 عاماً قد يحدث فيها الكثير.



المصادر:

موقع أرقام

كتاب: Global Energy Governance. The new rules of the game

كتاب:Saudi Aramco 2030: Post IPO challenges

دراسة للبنك الدولي تحت عنوان: Overview of the Political and Economic Arguments in Favor of and Against the Establishment of a NOC

بلومبرج – وول ستريت جورنال – نيويورك تايمز– شركة الاستشارات المهنية "كيه بي إم جي"

التعليقات